ابن رشد
182
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
ذلك مما يمكن أن يتصور في هذا الباب فهذه هي مشهورات مسائل الخلاف المتعلقة بجنس المنفعة . وأما مسائل الخلاف المتعلقة بجنس الثمن فهي مسائل الخلاف المتعلقة بما يجوز أن يكون ثمنا في المبيعات وما لا يجوز ، ومما ورد النهي فيه من هذه الباب ما روى أنه ( ص ) نهي عن عسيب الفحل وعن كسب الحجام وعن قفيز الطحان قال الطحاوي : ومعنى نهى النبي ( ص ) عن قفيز الطحان هو ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من دفع القمح إلى الطحان بجزء من الدقيق الذي يطحنه ، قالوا : وهذا لا يجوز عندنا ، وهو استئجار من المستأجر بعين ليس عنده ، ولا هي من الأشياء التي تكون ديونا على الذمم ، ووافقه الشافعي على هذا . وقال أصحابه : لو استأجر السلاخ بالجلد والطحان بالنخالة أو بصاع من الدقيق فسد لنهيه ( ص ) عن قفيز الطحان ، وهذا على مذهب مالك جائز ، لأنه استأجره على جزء من الطعام معلوم ، وأجرة الطحان ذلك الجزء وهو معلوم أيضا . وأما كسب الحجام ، فذهب قوم إلى تحريمه ، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : كسبه ردئ يكره للرجل ، وقال آخرون بل هو مباح . والسبب في اختلافهم : تعارض الآثار في هذا الباب ، فمن رأى أنه حرام احتج بما روي عن أبي هريرة قال : رسول الله ( ص ) : من السحت كسب الحجام وبما روي عن أنس بن مالك قال : حرم رسول الله ( ص ) كسب الحجام وروي عن عون بن أبي جحيفة قال : اشترى أبي حجاما فكسر محاجمه ، فقلت له : لم يا أبت كسرتها ؟ فقال : إن رسول الله ( ص ) نهى عن ثمن الدم . وأما من رأى إباحة ذلك ، فاحتج بما روي عن ابن عباس قال : الحجام رسول الله ( ص ) وأعطى الحجام أجره قالوا : ولو كان حراما لم يعطه ، وحديث جابر أن رسول الله ( ص ) دعا أبا طيبة فحجمه فسأله كم ضريبتك ، فقال : ثلاثة آصع ، فوضع عنه صاعا وعنه أيضا أنه أمر للحجام بصاع من طعام ، وأمر مواليه أن يخففوا عنه . وأما الذين قالوا بكراهيته فاحتجوا بما روي أن رفاعة بن رافع أو رافع بن رفاعة جاء إلى مجلس الأنصار فقال : نهى رسول الله ( ص ) عن كسب الحجام وأمرنا أن نطعمه ناضحنا وبما روي عن رجل من بني حارثة كان له حجام ، وسأل رسول الله ( ص ) عن ذلك فنهاه ، ثم عاد فنهاه ، ثم عاد فنهاه ، فلم يزل يراجعه حتى قال له رسول الله ( ص ) : أعلف كسبه ناضحك وأطعمه رقيقك . ومن هذا الباب أيضا اختلافهم في إجارة دار بسكنى دار أخرى . فأجاز ذلك مالك ومنعه أبو حنيفة ، ولعله رآها من باب الدين بالدين وهذا ضعيف ، فهذه مشهورات مسائلهم فيما يتعلق بجنس الثمن وبجنس المنفعة . وأما ما يتعلق بأوصافها فنذكر أيضا المشهور منها ، فمن ذلك أن جمهور فقهاء الأمصار : مالك وأبو حنيفة والشافعي اتفقوا بالجملة أن من شرط الإجارة أن يكون الثمن معلوما والمنفعة معلومة القدر ، وذلك إما بغايتها مثل خياطة الثوب وعمل الباب ، وإما بضرب الاجل إذا لم تكن لها غاية مثل خدمة الأجير ، وذلك